الحمد لله
أولا :
القيام في صلاة الفرض ركن لابد منه ، ولا يجوز لأحد أن يصلي
قاعدا إلا عند عجزه عن القيام ، أو في حال كون القيام يشق عليه مشقة شديدة ، أو كان
به مرض يخاف زيادته لو صلى قائما .
فيدخل فيما ذكرنا : المُقْعَد الذي لا يستطيع القيام مطلقا ،
وكبير السن الذي يشق عليه القيام ، والمريض الذي يضره القيام بزيادة المرض أو تأخر
الشفاء .
والأصل في ذلك ما رواه البخاري (1050) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ
حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ ، فَسَأَلْتُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : ( صَلِّ
قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى
جَنْبٍ ) .
قال ابن قدامة رحمه الله : " قال : ( والمريض إذا كان القيام
يزيد في مرضه صلى قاعدا ) أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي
جالسا . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : ( صل قائما ، فإن لم
تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب ) . رواه البخاري وأبو داود
والنسائي وزاد : ( فإن لم تستطع فمستلقيا ، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) . وروى
أنس رضي الله عنه قال : سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس فخُدِش أو جُحش
شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت الصلاة فصلى قاعدا ، وصلينا خلفه قعودا .
متفق عليه .
وإن أمكنه القيام إلا أنه يخشى زيادة مرضه به ، أو تباطؤ برئه
(أي شفائه) ، أو يشق عليه مشقة شديدة ، فله أن يصلي قاعدا . ونحو هذا قال مالك
وإسحاق . وقال ميمون بن مهران : إذا لم يستطع أن يقوم لدُنياه , فليصل جالسا . وحكي
عن أحمد نحو ذلك "
أي من كان يستطيع القيام لمصالحه الدنيوية ، فيلزمه أن يصلي
قائما ولا يجوز له القعود .
ثم قال ابن قدامة رحمه الله : " ولنا قول الله تعالى : ( وما جعل
عليكم في الدين من حرج ) . وتكليف القيام في هذه الحال حرج ؛ ولأن النبي صلى الله
عليه وسلم صلى جالسا لما جُحِش (أي جُرح) شقه الأيمن ، والظاهر أنه لم يكن يعجز عن
القيام بالكلية ، لكن لما شق عليه القيام سقط عنه ، فكذلك تسقط عن غيره ... وإن قدر
على القيام ، بأن يتكئ على عصى ، أو يستند إلى حائط ، أو يعتمد على أحد جانبيه :
لزمه ؛ لأنه قادر على القيام من غير ضرر ، فلزمه ، كما لو قدر بغير هذه الأشياء "
انتهى من "المغني" (1/443) .
وقال النووي رحمه الله : " أجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام
في الفريضة صلاها قاعدا ولا إعادة عليه , قال أصحابنا : ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في
حال القيام , لأنه معذور , وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما ) . قال
أصحابنا : ولا يشترط في العجز أن لا يتأتّى القيام ، ولا يكفي أدنى مشقة ، بل
المعتبر المشقة الظاهرة ، فإذا خاف مشقة شديدة أو زيادة مرض أو نحو ذلك أو خاف راكب
السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعدا ولا إعادة " انتهى من "المجموع"
(4/201) .
وبين الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ضابط المشقة التي تبيح ترك
القيام في الفرض ، وصفة الجلوس ، فقال : " الضابط للمشقة : ما زال به الخشوع ؛
والخشوع هو : حضور القلب والطمأنينة ، فإذا كان إذا قام قلق قلقا عظيما ولم يطمئن ،
وتجده يتمنى أن يصل إلى آخر الفاتحة ليركع من شدة تحمله ، فهذا قد شق عليه القيام
فيصلي قاعدا .
ومثل ذلك الخائف فإنه لا يستطيع أن يصلي قائما ، كما لو كان يصلي
خلف جدار وحوله عدو يرقبه ، فإن قام تبين من وراء الجدار ، وإن جلس اختفى بالجدار
عن عدوه ، فهنا نقول له : صل جالسا .
ويدل لهذا قوله تعالى : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا )
البقرة/ 239 ، فأسقط الله عن الخائف الركوع والسجود والقعود ، فكذلك
القيام إذا كان خائفا .
ولكن ؛ كيف يجلس ؟
يجلس متربعا على أليتيه ، يكف ساقيه إلى فخذيه ويسمى هذا الجلوس
تربعا ؛ لأن الساق والفخذ في اليمنى ، والساق والفخذ في اليسرى كلها ظاهرة ، لأن
الافتراش تختفي فيه الساق في الفخذ ، وأما التربع فتظهر كل الأعضاء الأربعة .
وهل التربع واجب ؟
لا ، التربع سنة ، فلو صلى مفترشا ، فلا بأس ، ولو صلى محتبيا
فلا بأس ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإن لم تستطع فقاعدا ) ولم يبين
كيفية قعوده . فإذا قال إنسان : هل هناك دليل على أنه يصلي متربعا ؟
فالجواب : نعم ؛ قالت عائشة : ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم
يصلي متربعا ) ، ولأن التربع في الغالب أكثر طمأنينة وارتياحا من الافتراش ، ومن
المعلوم أن القيام يحتاج إلى قراءة طويلة أطول من قول : ( رب اغفر لي وارحمني )
فلذلك كان التربع فيه أولى ؛ ولأجل فائدة أخرى وهي التفريق بين قعود القيام والقعود
الذي في محله ، لأننا لو قلنا يفترش في حال القيام لم يكن هناك فرق بين الجلوس في
محله وبين الجلوس البدلي الذي يكون بدل القيام .
وإذا كان في حال الركوع قال بعضهم : إنه يكون مفترشا ، والصحيح :
أنه يكون متربعا ؛ لأن الراكع قائم قد نصب ساقيه وفخذيه ، وليس فيه إلا انحناء
الظهر فنقول : هذا المتربع يبقى متربعا ويركع وهو متربع ، وهذا هو الصحيح في هذه
المسألة " انتهى من "الشرح الممتع" (4/461) .
ثانيا :
أما صلاة النافلة ، فيجوز القعود فيها من غير عذر ، إجماعا ، لكن
أجر القاعد حينئذ على النصف من أجر القائم ؛ لما روى مسلم (1214) عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاةِ
. قَالَ : فَأَتَيْتُهُ ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى
رَأْسِهِ ، فَقَالَ : مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ؟! قُلْتُ :
حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ : صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى
نِصْفِ الصَّلاةِ ، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا ! قَالَ : أَجَلْ ، وَلَكِنِّي
لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ) .
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم : " معناه أن صلاة القاعد فيها
نصف ثواب القائم ، فيتضمن صحتها ونقصان أجرها . وهذا الحديث محمول على صلاة النفل
قاعدا مع القدرة على القيام ، فهذا له نصف ثواب القائم . وأما إذا صلى النفل قاعدا
لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه بل يكون كثوابه قائما . وأما الفرض فإن صلاه قاعدا
مع قدرته على القيام لم يصح فلا يكون فيه ثواب بل يأثم به .
قال أصحابنا (الشافعية) : وان استحله كفر وجرت عليه أحكام
المرتدين كما لو استحل الزنى والربا أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم .
وإن صلى الفرض قاعدا لعجزه عن القيام أو مضطجعا لعجزه عن القيام
والقعود ، فثوابه كثوابه قائما ، لم ينقص باتفاق أصحابنا ، فيتعين حمل الحديث في
تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدا مع قدرته على القيام . هذا تفصيل مذهبنا وبه
قال الجمهور في تفسير هذا الحديث ".
وقال : " وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( لست كأحد منكم ) فهو
عند أصحابنا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، فجُعلت نافلته قاعدا مع القدرة
على القيام كنافلته قائما تشريفا له ، كما خص بأشياء معروفة في كتب أصحابنا وغيرهم
، وقد استقصيتها في أول كتاب تهذيب الأسماء واللغات " انتهى من "شرح صحيح
مسلم" (6/14) .
والله أعلم .
وانظر جواب السؤال (50180) .