السؤال:
هناك العديد من الأحاديث التي ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم عانى من الجوع ، كحديث عائشة رضي الله عنها في البخاري ومسلم حيث ذكرت أنه صلى الله عليه وسلم لم يشبع من خبز الشعير يومين متتاليين حتى مات .
وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنه حيث ذكر أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم يشبع من التمر (مسلم).
السؤال هو:
ألم يكن هناك حوله من الصحابة ممن كانوا قادرين على إمداده صلى الله عليه وسلم بالطعام؟ فعثمان رضي الله عنه كان من أغنياء الصحابة ، أليس من الواجب على المسلم أن يهتم ويعتني بأخيه المسلم ، فما بالك بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ أرجو الشرح والتوضيح.
الجواب :
الحمد لله
أولا :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد الناس ، فلم يجعل الله تعالى للدنيا موضعا
في قلبه ولا منزلة في نفسه ، وقد روى أحمد (7120) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : "
جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ
إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ جِبْرِيلُ : إِنَّ هَذَا
الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ ، فَلَمَّا نَزَلَ
قَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ قَالَ : أَفَمَلِكًا نَبِيًّا
يَجْعَلُكَ أَوْ عَبْدًا رَسُولًا ؟ قَالَ جِبْرِيلُ : تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا
مُحَمَّدُ ، قَالَ ( بَلْ عَبْدًا رَسُولًا ) صححه الألباني في "الصحيحة" (1002) .
وروى البغوي في "شرح السنة" (5/442) عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : " قُلْتُ : يَا
رَسُولَ اللَّهِ ، كُلْ - جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ - مُتَّكِئًا ، فَإِنَّهُ
أَهْوَنُ عَلَيْكَ ، فَأَصْغَى بِرَأْسِهِ حَتَّى كَادَ أَنْ تُصِيبَ جَبْهَتُهُ
الأَرْضَ وقَالَ : ( لا ، بَلْ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ ، وَأَجْلِسُ كَمَا
يَجْلِسُ الْعَبْدُ ) .
صححه الألباني في "الصحيحة" (544) .
وأحاديث زهده وبعده عن زخرف الحياة الدنيا أكثر من أن تحصى .
راجع بسط ذلك وبيان زهده صلى الله عليه وسلم في إجابة السؤال رقم (154864)
.
ثانيا :
كانت حال غالب أصحابه صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام هكذا على مثل حاله صلى
الله عليه وسلم ، أو قريبا منها ؛ يوضحه ما رواه البخاري (4242) عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : " لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا : الْآنَ
نَشْبَعُ مِنْ التَّمْرِ " .
قال الحافظ رحمه الله :
" فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْل فَتْحِهَا فِي قِلَّةٍ مِنْ
الْعَيْشِ " انتهى .
وقال - رحمه الله - أيضا :
" وَالْحَقّ أَنَّ الْكَثِير مِنْهُمْ كَانُوا فِي حَال ضِيق قَبْل الْهِجْرَة
حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّة , ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَة كَانَ
أَكْثَرهمْ كَذَلِكَ ، فَوَاسَاهُمْ الْأَنْصَار بِالْمَنَازِلِ وَالْمَنَائِح ,
فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمْ النَّضِير وَمَا بَعْدهَا رَدُّوا عَلَيْهِمْ
مَنَائِحَهُمْ " انتهى .
ولما فتح الله عليهم انشغلوا بالإنفاق في الصدقات وتجهيز الجيوش وغير ذلك من أوجه
البر ، فمنهم من كان يتصدق بماله كله ، ومنهم من كان يتصدق بشطر ماله ، ومنهم من
كان يجهز الغزاة أو يخلفهم بماله بخير في أهليهم ، ولم تكن الدنيا من رغبتهم ، ولا
خطرت لهم على بال ، وقد روى أحمد في "الزهد" (ص36) عن سعيد بن جبير قال : " كان عبد
الرحمن بن عوف رضي الله عنه – وكان من أغنياء الصحابة - لا يُعرف من بين عبيده " .
ثالثا :
لا يظنّن ظان أن الصحابة كانوا لا يراعون هذه الحال التي كان عليها رسول الله صلى
الله عليه وسلم ويغفلون عنه ، مع علمهم أنه لو شاء لدعا الله تعالى فأغناه كل الغنى
، بل إنهم رضي الله عنهم كانوا يواسونه بالمنائح والهدايا والضيافة ، وخاصة الأنصار
؛ فروى البخاري (2567) ومسلم (2972) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ : " ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى
الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ
فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ ، فَقُلْتُ
: يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ
وَالْمَاءُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ ، وَكَانُوا
يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ
فَيَسْقِينَا " .
وروى البخاري (2574) ومسلم (2441) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " أَنَّ
النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ يَبْتَغُونَ بِهَا
أَوْ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ " .
والأحاديث في ذلك كثيرة .
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها : " أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَقِيَ مِنْهَا ) ؟ قَالَتْ : مَا
بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا ، قَالَ : ( بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا !!
) .
رواه أحمد (2372) والترمذي (2470) وصححه الألباني في " مشكاة المصابيح " رقم (1919)
.
وقد اقتدى به أهل بيته
الشريف ، صلى الله عليه وسلم ، في ذلك ، حتى إنهم نسوا حظوظ أنفسهم من مثل ذلك ، في
جانب ما يعطون الناس ، ويؤثرون على أنفسهم :
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ : " أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي
سُفْيَانَ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمِائَةِ أَلْفٍ ،
فَقَسَمَتْهَا حَتَّى لَمْ تَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا ، فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: أَنْتِ
صَائِمَةٌ ، فَهَلَّا ابْتَعْتِ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا؟ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ :
لَوْ أَنِّي ذُكِّرْتُ لَفَعَلْتُ ".
رواه الحاكم في المستدرك (4/15) وسكت عن الذهبي في تلخيصه .