السؤال:
أنا معجب جداً بالجن وثقافتهم ، أظن أني أحبهم ، أريد أن أعرف عنهم المزيد ؟
الجواب :
الحمد لله
الجن عالم عظيم من المخلوقات ، ذكرهم الله عز وجل في القرآن الكريم في كثير من
السور والآيات ، ومن أعظم تلك الآيات ما أخبرنا عنه جل وعلا في سورة " الجن " من
الحكمة البالغة والعقل الراجح الذي يتمتع به كثير منهم ، رغم تباينهم عن عالم
الإنسان ، ولكنهم بهتوا حين سمعوا كلام الحق والإيمان ، ونور السماء يتلى مِن فم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصَدَقُوا الله عز وجل ، وصدقوا مع أنفسهم ، ولم
يملكوا إلا أن يستسلموا للحق الذي استمعوا إليه ، ويَدَعُوا عنهم كل كبر وعناد ،
وكل شك وتردد ، متخذين قرارهم بالإيمان بخاتم النبيين ، وبشارة عيسى ابن مريم عليه
السلام ، من غير أن يلتفتوا إلى شبهات المشركين وأقاويلهم ، فالحق لا تكدره
المحاولات الآثمة ، ولا تغطيه حجج واهية تَحيد عن المقصد الأساس الذي بعث لأجله
محمد صلى الله عليه وسلم ، مصدقا لمن سبقه من الرسل الكرام ، بتوحيد الله تعالى
ونشر القيم والأخلاق الفاضلة بين الناس ، واستكمال بعثة جميع الأنبياء من قبله ،
وكلها غرضها إخراج العباد من عبادة العباد ، إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا
إلى سعة الآخرة ، ومن جور الأديان البشرية والمحرفة ، إلى عدل الإسلام ورحمته .
يقول الله عز وجل : ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ
وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا
كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي
إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ
اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي
الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )
الأحقاف/29-32.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله :
" هذه الآيات – كالسورة - تنبئ عن وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن ، مفاجأة أطارت
تماسكهم ، وزلزلت قلوبهم ، وهزت مشاعرهم ، وأطلقت في كيانهم دفعة عنيفة من التأثر
امتلأ بها كيانهم كله وفاض ، فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة ، فائضة بما
لا تملك له دفعا ، ولا تملك عليه صبرا ، قبل أن تفيضه على الآخرين في هذا الأسلوب
المتدفق ، النابض بالحرارة والانفعال ، وبالجد والاحتفال في نفس الأوان ، وهي حالة
من يفاجأ أول مرة بدفعة قوية ترج كيانه ، وتخلخل تماسكه ، وتدفعه دفعا إلى نقل ما
يحسه إلى نفوس الآخرين في حماسة واندفاع ، وفي جد كذلك واحتفال !
( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ) فأول ما بدههم منه أنه « عجب » غير مألوف ،
وأنه يثير الدهش في القلوب ، وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح ،
ومشاعر مرهفة ، وذوق ذواق.. عجب ! ذو سلطان متسلط ، وذو جاذبية غلابة ، وذو إيقاع
يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب .. عجب ! فعلا ، يدل على أن أولئك النفر من الجن
كانوا حقيقة يتذوقون ! « يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ » .. وهذه هي الصفة الثانية
البارزة كذلك في هذا القرآن ، والتي أحسها النفر من الجن ، حين وجدوا حقيقتها في
قلوبهم .. وكلمة الرَشَد في ذاتها ذات دلالة واسعة المدى ، فهو يهدي إلى الهدى
والحق والصواب ، ولكن كلمة الرشد تلقي ظلا آخر وراء هذا كله . ظل النضوج والاستواء
والمعرفة الرشيدة للهدى والحق والصواب .
ظل الإدراك الذاتي البصير لهذه الحقائق والمقومات ، فهو ينشئ حالة ذاتية في النفس
تهتدي بها إلى الخير والصواب .
والقرآن يهدي إلى الرشد بما ينشئه في القلب من تفتح وحساسية ، وإدراك ومعرفة ،
واتصال بمصدر النور والهدى ، واتساق مع النواميس الإلهية الكبرى ، كما يهدي إلى
الرشد بمنهجه التنظيمي للحياة وتصريفها .
هذا المنهج الذي لم تبلغ البشرية في تاريخها كله ، في ظل حضارة من الحضارات ، أو
نظام من الأنظمة ، ما بلغته في ظله أفرادا وجماعات ، قلوبا ومجتمعات ، أخلاقا فردية
ومعاملات اجتماعية .. على السواء .
( فَآمَنَّا بِهِ )... وهي الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن ، وإدراك
طبيعته ، والتأثر بحقيقته .. يعرضها الوحي على المشركين الذين كانوا يسمعون هذا
القرآن ثم لا يؤمنون ، وفي الوقت ذاته ينسبونه إلى الجن ، فيقولون : كاهن أو شاعر
أو مجنون .. وكلها صفات للجن فيها تأثير ، وهؤلاء هم الجن مبهورين بالقرآن ،
مسحورين متأثرين أشد التأثر ، منفعلين أشد الانفعال ، لا يملكون أنفسهم من الهزة
التي ترج كيانهم رجا.. ثم يعرفون الحق ، فيستجيبون له مذعنين معلنين هذا الإذعان :
( فَآمَنَّا بِهِ ) غير منكرين لما مس نفوسهم منه ولا معاندين ، كما كان المشركون
يفعلون ! ( وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ) .
فهو الإيمان الخالص الصريح الصحيح ، غير مشوب بشرك ، ولا ملتبس بوهم ، ولا ممتزج
بخرافة ، الإيمان الذي ينبعث من إدراك حقيقة القرآن ، والحقيقة التي يدعو إليها
القرآن ، حقيقة التوحيد لله بلا شريك " انتهى من " في ظلال القرآن " (6/ 3726) .
وهكذا نجا هذا النفر من الجن حين استجابوا لصوت عميق في عقولهم وقلوبهم ، يسألهم عن
سبب رفض الإيمان بخاتم الأنبياء ، الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، وليدعو الناس إلى
توحيد الله سبحانه ، والإيمان بجميع الرسل والأنبياء من قبل ، رغم أن هذا الصوت كان
يقوى تارة في لحظات صفاء النفس وهدأتها ، ويضعف أخرى حين تنغمس في غياهب الحياة
الدنيا ، ولكنهم نجحوا في الاختبار ، واستحقوا أن يخلد الله عز وجل ذكرهم في القرآن
الكريم .
وقد سبق في موقعنا التوسع في الحديث عن كثير من تفاصيل عالم الجن ، يمكن مراجعتها
في الفتاوى الآتية :
عالم الجن (2340)،
(13378)، (20666)
.
هل يقرأ الجن القرآن (166892)
.
هل للجن قدرة على التشكل (157606)
.
القرين من الجن (149459)
.
هل بعث من الجن رسل (140629)
.
الفرق بين الجن والشيطان (108679)
.
هل إبليس أب للجن كلهم (102373)
.
هل يمكن أن نرى الجن (40703)
.
لكل إنسان قرين (26226)
.
تشك أن الجن يسرق شيئا من متاع البيت (101681)
.
كيف نحمي أنفسنا من الجن (10513)
.
والله أعلم .