الجواب :
الحمد لله
أولا :
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الصبح بطوال المفصل .
قال ابن القيم رحمه الله :
" أجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل " انتهى .
"حاشية السنن" (3 / 77) .
وطوال المفصل من سورة (ق) حتى سورة (المرسلات) .
وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ السِّتِّينَ إِلَى
الْمِائَةِ) متفق عليه .
وكان - أحيانا - يؤمهم فيها بـ "الصافات" رواه أحمد (4969) ، وكان يصليها يوم
الجمعة بـ " ألم تنزيل السجدة" في الركعة الأولى ، وفي الثانية بـ " هل أتى على
الإنسان " متفق عليه .
انظر : "صفة الصلاة" للألباني رحمه الله (ص/109-111) .
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
"المشروع في صلاة الفجر إطالة القراءة ، ويقرأ ما تيسر من القرآن بعد الفاتحة من
غير تخصيص لسورة معينة ، إلا ما ورد الدليل بتخصيصه ؛ كسورة السجدة ، وسورة الدهر -
هل أتى على الإنسان- في صلاة الفجر يوم الجمعة" انتهى .
"فتاوى اللجنة الدائمة" (5 / 340) .
وسئل الشيخ ابن جبرين رحمه الله :
بعض الأئمة يقرأون في جماعتهم في صلاة العشاء والفجر مقدار صفحة أو صفحتين في
الركعة الأولى والثانية ، ويشتكي جماعة المسجد بأن الإمام أطال في القراءة ، وحجتهم
أنه يوجد كبار السن وبعضهم مرضى ، وكذلك يقولون : إن هذا ينفر من الصلاة في المسجد
، فهل هذه تُعد إطالة ، وما نصيحتكم تجاه ذلك ؟
فأجاب رحمه الله :
" السُنة في صلاة الفجر الإطالة ؛ لأن الله سماها قرآنًا بقوله : ( وَقُرْآنَ
الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) أي صلاة الفجر ـ التي تطول
فيها القراءة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها ما بين الستين آية إلى
المائة أو نحو نصف سورة آل عمران أو ثلثها ، وذلك قدر اثني عشر صفحة إلى خمسة عشر
وجهًا ، وكان عمر يقرأ فيها بسورة يوسف كاملة أو بسورة النحل كاملة ، أي فوق ثلاثة
عشر وجهًا ، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ نصف سورة "المؤمنون" في ركعة , أي نحو
أربع صفحات ، فعلى هذا لا يُقال لمن قرأ ثلاث صفحات في الركعتين إنه قد أطال , بل
هو مختصر , ولا عذر لأحد في طلب التخفيف الذي هو خلاف السُنة ، ومن كان عاجزًا لكبر
سن أو مرض فله أن يُصلي وهو جالس إذا عجز عن الإتمام قائمًا ، فإن صلى قائمًا وعجز
جاز له القعود لمرض أو كبر سن حتى في الفريضة ، فأما القادر فلا يجوز له الجلوس ؛
لأن القيام ركن في الصلاة ، والله أعلم " انتهى من موقع الشيخ .
هذا هو الأصل في صلاة الفجر ، وعلى الإمام أن يراعي حال المأمومين ، فلا يطيل عليهم
إطالة تنفرهم من الصلاة خلفه ؛ فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ
رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي
الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا . فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ
غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ مِنْكُمْ
مُنَفِّرِينَ , فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ ؛ فَإِنَّ خَلْفَهُ
الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ ) متفق عليه.
فقد تكون الإطالة مناسبة في مسجد ، وغير مناسبة في مسجد آخر ، لاختلاف حال أهل
المسجدين .
وقد سئل علماء اللجنة للإفتاء :
ما هو القدر المناسب لقراءة الإمام في الصلاة الجهرية ، علما بأنه يوجد وراءه رجال
متقدمين في السن ؟
فأجابوا :
"ذلك مما يختلف باختلاف أحوال المصلين بالمسجد جماعة ، فليراع كل إمام حال جماعة
مسجده ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيكم أم الناس فليخفف ؛ فإن فيهم الصغير
والكبير والضعيف وذا الحاجة )" انتهى .
"فتاوى اللجنة الدائمة" (6 / 391) .
فما يفعله إمامكم لا نرى أنه إطالة شاقة إذا كان يفعله أحيانا ، إلا إذا كان في أهل
المسجد من هو مريض أو كبير أو له أعمال يتعطل عنها بسبب إطالة الصلاة .
ويشكر هذا الإمام على حرصه على اتباع السنة ، غير أن الأقرب إلى السنة التنوع في
القراءة ، فقد كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم متنوعة ، فأحياناً يطيل
وأحياناً يقرأ أقل من ذلك ، فعَنْ
جَابِرَ
بْنَ
سَمُرَةَ
رضي الله عنه قال : (كَانَ
رَسُولُ
اللَّهِ
صَلَّى
اللَّهُ
عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ
يَقْرَأُ
فِي
الْفَجْرِ
الْوَاقِعَةَ
وَنَحْوَهَا
مِنْ
السُّوَرِ) ، رواه أحمد (20489) ، وصححه الألباني
في "صفة الصلاة" ص 109 .
فلو أن الإمام قرأ سورة من طوال المفصل لكان في ذلك جمع بين السنة في القراءة في
صلاة الفجر ، والتخفيف على المأمومين .
ولو أطال أحياناً أكثر من هذا لم ينكر عليه ، ما لم يشق على الناس .
وعلى هذا ، فقول إمامكم : إن أقل ما كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم هو ثمان
أوجه . فيقال : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بأقل من هذا ،
فسور طوال المفصل كلها أقل من هذا ، بل قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في
الفجر بسورة (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) رواه النسائي (951) وصححه الألباني في
"صحيح النسائي" .
فالذي ننصح به أن يقرأ من طوال المفصل ، ولا بأس أن يطيل أحيانا أكثر من هذا .
ثانياً :
هناك فرق بين القراءة المتأنية والقراءة السريعة ؛ ومن فقه الصحابة رضي الله عنهم
أنهم كانوا يراعون ذلك ، فالذي يقرأ قراءة بطيئة ينبغي أن يقرأ قدراً أقل ممن
قراءته سريعة ..... وهكذا .
فقد روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (7754) : عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : " دَعَا
عُمَرُ الْقُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَ أَسْرَعَهُمْ قِرَاءَةً أَنْ يَقْرَأَ
ثَلاَثِينَ آيَةً ، وَالْوَسَطَ خَمْسة وَعِشْرِينَ آيَةً ، وَالْبَطِيءَ عِشْرِينَ
آيَةً " .
وروى أيضا (7761) : عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : " مَنْ أَمَّ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ
فَلْيَأْخُذْ بِهِمَ الْيُسْرَ ، فَإِنْ كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ فَلْيَخْتِمَ
الْقُرْآنَ خَتْمَةً ، وَإِنْ كَانَ قِرَاءَةً بَيْنَ ذَلِكَ فَخَتْمَة وَنِصْف ،
فَإِنْ كَانَ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ فَمَرَّتَيْنِ " .
والذي ينبغي للإمام أن يحرص على جمع الناس وتأليف قلوبهم ، والأخذ بأيديهم إلى
السنة شيئاً فشيئاً ، فذلك خير من تنفيرهم .
لا سيما وأنتم تعيشون في البلاد الغربية ، فأنتم أحوج إلى الاجتماع والائتلاف .
فعلى الإمام أن يراعي حال المأمومين خلفه بما لا يخرج عن السنة .
والله أعلم