الحمد لله
نسأل الله العظيم بمنِّه وكرمه أن يثبتك على الاستقامة , وأن يصرف عنك الفتن ، ما
ظهر منها وما بطن .
أولاً :
عندما ينظر المسلم إلى مثل هذه الأسئلة : يزداد يقيناً وإيماناً بالتسليم للشرع ،
وأنه جاء بالحكمة والمصلحة ، ودفع المفسدة .
فلم
يأمر إلا بما فيه مصلحة ، ولم ينه إلا عما فيه مفسدة ، ومن ذلك : نهيه عن إقامة
المسلم في بلاد الكفر ، فإنها من أخطر الأشياء على دين المسلم وأخلاقه .
وانظر جواب السؤالين :
(47672)
و (10175)
.
ثانياً:
كلماتك – أخي السائل - تدل على أنك متضايق من نفسك ، وأنك تشعر بالخطأ تجاه نفسك ،
وتجاه ربك , ولا شك أن هذا علامة صدق ، ودليل خير , وأن وازع الإيمان في قلبك لا
يزال حيّاً , ولتعلم أن طريق الجنَّة محفوف بالشهوات , وهو طريق يحتاج في سلوكه إلى
صبر ، ومجاهدة ، وتحمل ، ولذا لزم الاستعانة بالله , واللجوء إليه ، والذل بين يديه
؛ ليأخذ بيدك إلى برِّ الأمان ، فتصل إلى رضاه من غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة .
وإن
من أعظم ما يضر المسلم في حياته ، ومن أكثر ما يكون سبباً لفتنة قلبه ، ودينه : هو
معصية إطلاق البصر في المحرمات ، وقد صحَّ عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :
"الإثم حَوَازُّ القلوب ، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع" رواه البيهقي في
"شُعَب الإيمان" (4/367) .
قال
الشيخ محمد السفاريني رحمه الله :
ومعنى " حَوَّاز " بفتح الحاء وتشديد الواو ، وهو : ما يحوزها ، ويغلب عليها حتى
ترتكب ما لا يحسن .
وقيل : بتخفيف الواو وتشديد الزاي – أي : " حَوَازّ " - جمع حازَّة ، وهي الأمور
التي تحزُّ في القلوب ، وتحك ، وتؤثر ، وتتخالج في القلوب ، فتكون معاصي ، وهذا
أشهر .
"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" ( ص 65 ) .
ولهذا كان لهذه المعصية نصيب وافر من التحذير منها ، والكلام عليها .
فانظر جوابيْ السؤالين : (
22917 ) و (
20229 ) للوقوف على السبل ، والوسائل المعينة على غض البصر .
وانظر جواب السؤال رقم (
22917 ) للوقوف على فوائد غض البصر .
وجواب السؤال رقم : (
23425 ) للوقوف على آثار هذه المعصية .
ثالثاً :
أما
حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ
الْفَيْنَةِ ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ
، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ) :
فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (11/304) ، وصححه الألباني رحمه الله في
"السلسلة الصحيحة" (2276) ، ولكن تعقبه الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف رحمه الله في
جزئه "حديث (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة) في الميزان" ،
وبيَّن أن الحديث ضعيف .
ثم
ـ إن صح الحديث ـ فليس فيه التشجيع على فعل المعصية ، ولا الإقدام عليها ،
بل
هو لتطمين التائبين بأنه من فعل ذنباً فإنه لا ينبغي له أن يقنط من رحمة ربه ، أو
يعتقد أن ذنبه أعظم من عفو الله ورحمته ، فما على المذنب سوى التوبة الصادقة ،
والعزم على عدم العود إلى ذنبه مرة أخرى .
وقد
قال الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري رحمه الله عند شرحه لحديث : (وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ
يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم) قال
:
"قال الطِّيبي : ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله
؛ فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب
، بل بيان لعفو الله تعالى ، وتجاوزه عن المذنبين ؛ ليرغبوا في التوبة .
والمعنى
المراد من الحديث : هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين
, وقد دل على ذلك غير واحد أسمائه : الغفار ، الحليم ، التواب ، العفو , ولم يكن
ليجعلَ العباد شأناً واحداً كالملائكة ، مجبولين على التنزه من الذنوب ، بل يخلق
فيهم من يكون بطبعه ميَّالاًَ إلى الهوى ، متلبساً بما يقتضيه ، ثم يكلفه التوقي
عنه ، ويحذره من مُدَاناته ، ويعرِّفه التوبة بعد الابتلاء ، فإن وفَّى : فأجره على
الله , وإن أخطأ الطريق : فالتوبة بين يديه ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم به :
أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة : لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب
، فيتجلى عليهم بتلك الصفات ، على مقتضى الحكمة ؛ فإن الغفَّار يستدعي مغفوراً ،
كما أن الرزَّاق يستدعي مرزوقاً .
"تحفة الأحوذي" (7/193) .
وأما حديث ثَوْبَانَ رضي الله عنه المذكور في السؤال : فقد رواه ابن ماجه في "سننه"
(4245) ، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" ، فللعلماء حوله كلام كثير ، وأحسن ما
قيل فيه : أنه في الذين يتكرر منهم انتهاك محارم الله باستمرار ، وأن من صفاتهم
الاستخفاف بما حرَّم الله ، وأنهم لا تنكسر قلوبهم عند فعلهم لتلك المعاصي ، بل
يتجرأون على فعلها ، بل انتهاكها .
قال
الشيخ الألباني - رحمه الله - :
هؤلاء ( إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) لا يعني خلوا مرة واحدة ، وإنما هذا
ديْدُنهم ، وشأنُهم ، وهِجِّيراهم ، دائماً ، فلذلك تطغى هذه المحرمات على تلك
السيئات .
"
سلسلة الهدى والنور " شريط رقم ( 226 ) .
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي - حفظه الله - :
أي
: أن عندهم استهتاراً ، واستخفافاً بالله عز وجل ، فهناك فرق بين المعصية التي تأتي
مع الانكسار ، والمعصية التي تأتي بغير انكسار ، بين شخص يعصي الله في ستر ، وبين
شخص عنده جرأة على الله عز وجل ، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء ، وإن كانت
أمثال الجبال ، فإذا كان بين الصالحين : أَحْسَنَ أيما إحسانٍ ؛ لأنه يرجو الناس
ولا يرجو الله ، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال ، فظاهرها حسنات ، ( لكنهم إذا خلوا
بمحارم الله انتهكوها ) فهم في السر لا يرجون لله وقاراً ، ولا يخافون من الله
سبحانه وتعالى ، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر ، ويكره هذه المعصية ،
ويمقتها ، ويرزقه الله الندم ، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر وعنده الندم ،
والحرقة ، ويتألم : فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله عز وجل ؛ لأنه - في الأصل - معظم
لشعائر الله ، لكن غلبته شهوته ، فينكسر لها ، أما الآخر : فيتسم بالوقاحة ،
والجرأة على الله ؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص ، أو شخصين ، ولا يتحدث عن نص محدد ،
إنما يعطي الأوصاف كاملة .
"
شرح زاد المستقنع " ( رقم الدرس 332 ) .
وكل
مسلم حي القلب يخشى أن يكون من هؤلاء الذين ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في
حديث ثوبان ، وتزداد هذه الخشية إذا اتصف ببعض صفاتهم ، فينبغي أن تحذر أشد الحذر
أن تكون من أولئك الأقوام ، أو قريباً من صفاتهم ، فانج بنفسك من مستنقعات الرذيلة
، وطهِّر بدنك نفسك بالتوبة ، واحذر أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم :
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) النساء/108 .
قال ابن رجب رحمه الله :
قال
بعض العارفين : اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك .
"جامع العلوم والحَِكم" ( ص 162 ) .
فالنصيحة لك :
1.
أن تقطع سبل التعرض للفتن ، بتعجيل الانتهاء من تلك البلاد .
2.
الزواج ، فهو الحصن الحصين لك إن شاء الله - , وخصوصاً في مثل تلك البلاد التي يكثر
فيها الفتن .
3.
الالتجاء إلى الله تعالى , والتضرع إليه ، بأن يصرف عنك تلك الذنوب ، قال تعالى : (
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )
البقرة/ 186 .
4.
مجاهدة النفس ، ودفع وسوستها ، وشرورها ، والعناية بتزكيتها بطاعة الله ، قال تعالى
: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس/ 8 – 11 ، وقال
تعالى : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ
اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/69 ، فاحرص على قراءة القرآن ومداومة
الذكر ، وقيام الليل ، وصيام النوافل ... إلخ ، فبها يزداد الإيمان وينير الطريق لك
.
ومما يعينك على ذلك : أن تكثر من صحبة الصالحين , وأن لا تتعرض للفتن ؛ وذلك
بالابتعاد عن أماكنها .
5.
وعليك أن تستمر في إعطاء الدروس ، واحذر من الشيطان أن يزيد عليك المعاصي بتركها ،
أو يوهمك أن تركها هو علاج ما أنت فيه من حال .
وقد
حذر السلف من مثل ذلك .
قال
الحسن البصري رحمه الله لمطرف بن عبد الله : " عِظ أصحابك " ، فقال : " إني أخاف أن
أقول ما لا أفعل " ! قال : " يرحمك الله ، وأيُّنا يفعل ما يقول ! ودَّ الشيطان أنه
قد ظفر بهذا ، فلم يأمر أحدٌ بمعروف ، ولم ينه عن منكر " .
وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخه : سمعت سعيد بن جبير يقول : " لو كان
المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء : ما أمر أحدٌ
بمعروف ، ولا نهى عن منكر " .
قال
مالك : " وصدق ، مَن ذا الذي ليس فيه شيء " ! .
وقد
أحسن القائل :
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمـد
فكُن أول المستفيدين من دروسك ، وكن أول المستجيبين لوعظك ، واستعن بالله تعالى ربك
أن يعينك على نفسك ، وأن يخلصك من شرورها .
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير ، ويعينك على طاعته ونيل رضاه ، ويثبتك على
الإسلام والسنَّة ، وأن يصرف عنك الفتن ما ظهر منها وما بطن .
والله أعلم