الجواب :
الحمد لله
أولا :
بداية نشكر لك حرصك على تعلم الإسلام والتفقه فيه ، فالعلم نور يضيء للعقل الطريق ،
ويفتح للقلب آفاقا من المعرفة بالله عز وجل ، يهتدي بها إلى الحق الذي ينجيه بين
يديه سبحانه وتعالى .
ونحن نرجو أن يسلك كل الناس هذا المسلك الذي أنت عليه ، مسلك التدبر والتفكر ، ثم
السؤال عما يرد على أذهانهم من مسائل وإشكالات ، ولو تثبت كل عاقل مما يقرأ أو يسمع
دفع عن نفسه وعن الناس الجهالة والغواية .
ثانيا
:
بخصوص ما سألت عنه ، نقول :
يقسم العلماء ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال إلى قسمين
:
القسم الأول
: أقوال وأفعال صادرة بتوقيف من الوحي ، وَبِأَمْرٍ من الرب سبحانه وتعالى ، يكون
النبي صلى الله عليه وسلم فيها مبلغا ناقلا أمينا ، يأمر بما أمر الله به ، ويمتثل
ما أوحي إليه من ربه عز وجل . وهذا القسم هو الغالب على أقوال وأفعال النبي صلى
الله عليه وسلم .
القسم الثاني
: أقوال وأفعال صادرة عن رأي النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده ، لم يكن النبي صلى
الله عليه وسلم فيها مبلغا ولا ناقلا ، وإنما مشرِّعًا مجتهدا ، بناء على ما خوله
الله عز وجل من التشريع والحكم بين الناس ، والله عز وجل يقره على ذلك ، إلا في بعض
الحالات التي كان في اجتهاده صلى الله عليه وسلم شيء من الخطأ ، فحينئذ ينزل الوحي
من عند الله عز وجل بتصويب ذلك ، وبهذا تبقى العصمة التامة لجميع ما يصدر عن النبي
صلى الله عليه وسلم :
إذا
كان مبلغا لما أوحى الله إليه : فالعصمة حاصلة ابتداء .
وإذا كان مجتهدا في حكمه صلى الله عليه وسلم : فالعصمة حاصلة انتهاء .
قال
الشاطبي رحمه الله :
"
الحديث إما وحي من الله صرف ، وإما اجتهاد من الرسول عليه الصلاة والسلام معتبر
بوحي صحيح من كتاب أو سنة .
وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام
ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، وإذا فُرِّعَ على القول بجواز الخطأ في
حقه ، فلا يُقَرُّ عليه البتة ، فلا بد من الرجوع إلى الصواب ، والتفريع على القول
بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض كتاب الله تعالى ويخالفه " انتهى.
"
الموافقات " (4/335)
وقال الشوكاني رحمه الله :
"
يجوز – الاجتهاد - لنبينا صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء ، وإليه ذهب
الجمهور ، واحتجوا :
1-
بأن الله سبحانه خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم كما خاطب عباده ، وضرب له الأمثال ،
وأمره بالتدبر والاعتبار ، وهو أجل المتفكرين في آيات الله ، وأعظم المعتبرين .
وأما قوله : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) فالمراد به القرآن ؛ لأنهم
قالوا إنما يعلمه بشر ، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم
إذا كان متعبدا بالاجتهاد وبالوحي لم يكن نطقا عن الهوى ، بل عن الوحي .
2-
وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع مع كونه معرضا للخطأ ، فلأن يجوز لمن هو
معصوم عن الخطأ بالأولى.
3-
ويدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله عز وجل : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم )،
فعاتبه على ما وقع منه ، ولو كان بالوحي لم يعاتبه .
4-
ومن ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت
لما سقت الهدي ) أي : لو علمت أولا ما علمت آخرا ما فعلت ذلك ، ومثل ذلك لا يكون
فيما عمله صلى الله عليه وسلم بالوحي .
6-
وأمثال ذلك كثيرة : كمعاتبته صلى الله عليه وسلم على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله
تعالى : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي
الأرض ) الأنفال/67، وكما في معاتبته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : ( وَإِذْ
تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) الأحزاب/37.
إلى
آخر ما قصه الله في ذلك في كتابه العزيز .
والاستيفاء لمثل هذا يفضي إلى بسط طويل ، وفيما ذكرناه ما يغني عن ذلك ، ولم يأت
المانعون بحجة تستحق المنع أو التوقف لأجلها " انتهى، مختصرا.
"
إرشاد الفحول " (427-429)
وقال العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله :
"
الذي يظهر أن التحقيق في هذه المسألة أنه صلى الله عليه وسلم ربما فعل بعض المسائل
من غير وحي في خصوصه ، كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم
، وكأسره لأسارى بدر [ وأخذ الفداء منهم ] ، وكأمره بترك تأبير النخل ، وكقوله : (
لو استقبلت من أمري ما استدبرت...) الحديث. .إلى غير ذلك .
وأن
معنى قوله تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) لا إشكال فيه ؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم لا ينطق بشيء من أجل الهوى ، ولا يتكلم بالهوى ، وقوله تعالى : (
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) يعني أن كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله ،
لا بهوى ، ولا بكذب ، ولا افتراء ، والعلم عند الله تعالى " انتهى.
"
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " (ص/224)، وانظر: " مذكرة أصول الفقه " (ص/60)
ثالثا
:
فإذا تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما صدر عنه القول أو الفعل عن رأي منه
واجتهاد ، ثم يقره الوحي عليه فيسكت عنه أو يؤيده ، ونادرا ما كان الوحي يأتي
بتصويبه – إذا تبين ذلك فهمنا وجه قوله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث : (
لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم...) ، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال : ( لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ـ أَوْ عَلَى
النَّاسِ ـ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ) رواه البخاري (887)،
ومسلم (252)
قال
الإمام النووي رحمه الله :
"
فيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد فيه نص من
الله تعالى ، وهذا مذهب أكثر الفقهاء ، وأصحاب الأصول ، وهو الصحيح المختار "
انتهى.
"
شرح مسلم " (3/144)
وقال أبو الوليد الباجي رحمه الله :
"
امتناعه صلى الله عليه وسلم من الأمر لهم لمعنى المشقة ، أي لولا المشقة لأمرهم به
، هذا يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم الآمر بالأحكام وإيجابها ، وأن ذلك مصروف
إلى اجتهاده ، ولولا ذلك لم يمنعه الإشفاق على أمته من أن يوجب عليهم السواك لأجل
المشقة " انتهى.
"
المنتقى شرح الموطأ " (1/130)
على
أن ثمة توجيها آخر لهذا الحديث لا نحتاج معه تقرير جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه
وسلم
.
قال
الحافظ ابن حجر رحمه الله – في معرض ذكر فوائد هذا الحديث - :
"
فيه جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه فيه نص ، لكونه جعل
المشقة سببا لعدم أمره ، فلو كان الحكم متوقفا على النص ، لكان سبب انتفاء الوجوب
عدم ورود النص ، لا وجود المشقة .
قال
ابن دقيق العيد : وفيه بحث .
وهو
كما قال ، ووجهه أنه يجوز أن يكون إخبارا منه صلى الله عليه وسلم بأن سبب عدم ورود
النص وجود المشقة ، فيكون معنى قوله : ( لأمرتهم ) أي : عن الله بأنه واجب "
انتهى.
"
فتح الباري " (2/376)
والله أعلم .