الحمد لله
نظراً لما يمر به المسلمون من ضعف وهوان ، فقد أصبحوا نهباً لكل طامع ، احتلت
أرضهم ، واستبيحت أعراضهم ، وتداعت عليهم الأمم من كل جانب ، وقد أصبح الكثير
من الفتيات المسلمات الحرائر هدفاً في كثير من الأحيان للذئاب البشرية المفترسة
، التي لا تخاف الله ، ولا تخشى قوة رادعة ، كما هو الحال في بلدان كثيرة في
العالم الإسلامي ، وكما حدث في البوسنة والهرسك ، أو في الفلبين ، أو في بلاد
الشيشان ، أو في أريتريا ، أو في سجون بعض الأنظمة الهزيلة في العالم العربي
.
وفيما يلي نقاط مهمة في أحوال المرأة المغتصبة
:
1- أن
المرأة المغتصبة التي بذلت جهدها في المقاومة لهؤلاء العلوج وأمثالهم ، لا ذنب
لها لأنها مكرهة ، والمكره مرفوع ذنبه في الكفر الذي هو أشد من الزنى ، كما قال
الله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ... ) النحل/106 .
وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وضع عن
أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) رواه ابن ماجه في (الطلاق/2033)
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه/1664 .
بل إن المرأة المغتصبة ، التي وقعت فريسة ، مأجورة
في صبرها على هذا البلاء ، إذا هي احتسبت ما نالها من الأذى عند الله عز وجل
، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ، ولا هم ولا
غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه ) رواه البخاري ومسلم
.
2- إن
واجب الشباب المسلم أن يهبوا للزواج من مثل هؤلاء الفتيات المعذبات ، للتخفيف
عنهن ومواساتهن ، وتعويضهن عن فقدهن لأعز ما يملكن وهو عذريتهن .
3- أما
إجهاضهن : الأصل في الإجهاض الحرمة والمنع ، منذ عملية التلقيح حيث ينشأ الكائن
الجديد ، ويستقر في القرار المكين وهو الرحم ، ولو كان هذا الكائن نتيجة اتصال
محرم كالزنى ، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الغامدية التي أقرت بالزنى
واستوجبت الرجم أن تذهب بجنينها حتى تلد ، ثم بعد الولادة حتى الفطام .
4- هناك
من الفقهاء من يجيز الإجهاض إذا كان قبل الأربعين الأولى من الحمل ، وبعضهم يجيزه
حتى قبل نفخ الروح ، وكلما كان العذر أقوى كانت الرخصة أظهر ، وكلما كان ذلك
قبل الأربعين الأولى كان أقرب إلى الرخصة .
5- لا
ريب أن اغتصاب الحرة المسلمة من عدو فاجر معتد أثيم ، عذر قوي لدى المسلمة ،
ولدى أهلها ، وهي تكره هذا الجنين - ثمرة الاعتداء المغشوم - وتريد التخلص منه
، فهذه رخصة يفتى بها للضرورة ، وخاصة في الأيام الأولى من الحمل .
6- على
أنه لا حرج على المسلمة التي ابتليت بهذه المصيبة في نفسها ، أن تحتفظ بهذا الجنين
دون أن تجبر على إسقاطه ، وإذا قدر له أن يبقى في بطنها المدة المعتادة للحمل
، ووضعته فهو طفل مسلم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة
) رواه البخاري .
والفطرة هي دين التوحيد وهي الإسلام ، ومن المقرر
فقهاً أن الولد إذا اختلف دين أبويه يتبع خير الأبوين ديناً ، وهذا فيمن له أب
يعرف ، فكيف بمن لا أب له ؟ إنه طفل مسلم بلا ريب ، وعلى المجتمع المسلم أن يتولى
رعايته ، والإنفاق عليه ، وحسن تربيته ، ولا يدع العبء على الأم المسكينة المبتلاة
.
ولما كان من قواعد الإسلام رفع الحرج والمشقة والعنت
، ومما لا شك فيه أن الفتاة المسلمة الحريصة على عفتها إذا تعرضت لعدوان وحشي
، وخافت نتيجة لذلك على سمعتها ، أو شرفها أن تبقى منبوذة أو أن تتعرض للأذى
كالقتل مثلاً ، أو أن تتعرض لمرض نفسي أو عصبي ، أو أن يصيبها في عقلها شيء ،
أو أن يبقى العار يلاحق أسرتها ، في أمر لا ذنب لها فيه ، أو أن هذا المولود
لا يجد مكاناً آمناً يلوذ به ، أقول : إن كان الأمر كذلك ، فلا حرج عليها أن
تسقط هذا الجنين قبل ولوج الروح فيه ، وخاصة أنه أصبح من السهل أن تكتشف المرأة
إذا كانت حاملاً أو لا ، مع تقدم الوسائل الطبية التي تكتشف الحمل منذ الأسبوع
الأول ، وكلما كان أمر الإسقاط مبكراً كان مجال الأخذ بالرخصة أوسع ، والعمل
بها أيسر ، والله أعلم .
من كتاب أحكام الجنين في الفقه الإسلامي لعمر بن محمد بن إبراهيم غانم .