الجواب :
الحمد لله
الدعاء بين السجدتين من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت عنه
في ذلك عدة أحاديث .
منها ما جاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ : ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِي ، وَارْحَمْنِي ، وَاجْبُرْنِي ، وَاهْدِنِي ، وَارْزُقْنِي ) رواه الترمذي
(284) وصححه الألباني .
وروي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ، وفي بعضها زيادات على بعض ، وحاصل ما روي في هذا
الدعاء سبع كلمات : ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، وَارْحَمْنِي ، وَاجْبُرْنِي ،
وَاهْدِنِي ، وَارْزُقْنِي ، وَعَافِنِي ، وَارْفَعْنِي ) .
ينظر: سنن الترمذي (284) ، وأبو داود (850) ، وابن ماجه (888) .
قال
النووي : " فالاحتياط
[
يعني : لإصابة السنة ]
والاختيار أن يجمع بين الروايات ويأتي بجميع ألفاظها وهى سبعة ".
انتهى "المجموع " (3/ 437) .
وكذا قال الشيخ الألباني في صفة الصلاة صـ 153.
وأقل ما يقال : ( رب اغفر لي ) لما جاء عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ َكَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ : ( رَبِّ
اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي ) . رواه النسائي (1145) وصححه الألباني كما في
صفة الصلاة (3/811).
وقد اختلف العلماء في حكم هذا الدعاء
.
فذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الدعاء مستحب وليس من واجبات الصلاة
.
وذهب الحنابلة إلى أنه واجب
لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء بين السجدتين ؛ ولأن جميع أفعال
الصلاة لا تخلو من ذكر الله ، وسائر هذه الأذكار واجبة ، فكان حكم الذكر بين
السجدتين حكمها.
والواجب منه أن يقول : ( رب اغفر لي ) مرة واحدة ، والزيادة مستحبة .
وما
ذهب إليه الجمهور من القول بالاستحباب قول قوي ؛ لعدم وجود دليل صريح يدل على
الوجوب ، وهو اختيار بعض الحنابلة أيضاً .
قال
الحافظ ابن رجب : " وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح
في الركوع والسجود ، وأنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمداً ، ويسجد لسهوه .
وروي عن أحمد أنه ليس بواجب .
قال
حرب : مذهب أحمد أنه إن قال جاز ، وإن لم يقل جاز ، والأمر عنده واسع .
وكذا ذكر أبو بكر الخلال ، أن هذا مذهب أحمد ، وهذا قول جمهور العلماء ". انتهى "
فتح الباري لابن رجب" (6 / 56) .
ومثل هذا المسائل لا ينبغي أن تكون موضع نزاع وفرقة بين المسلمين
، لأن كل قول منها له دليله المعتبر في الشريعة ، ومن اقتنع بأحد القولين فلا حرج
عليه من العمل به .
وأما ما ذكرته من وجود فتوى في الموقع بأنه فرض فغير دقيق ، والذي جاء فيه أن هذا
الذكر واجب لا فرض ، كما في جواب السؤال (65847)
.
والفرق بينهما أن الفرض لا يسقط عمدا ولا سهوا ، بل لابد من الإتيان به .
أما
الواجب : فيسقط بالنسيان ، ويجبر بسجود السهو ، والله أعلم .
وقد
أشرنا إلى ذلك هناك ، وأشرنا أيضا إلى أن هذه المسألة مما فيه خلاف معتبر بين
العلماء :
(
وفي بعض هذه الأمور خلاف بين الفقهاء ، فقد يكون الفعل الواجب عند أحدهم ، مسنونا
عند الآخر ، وهذا مبسوط في كتب الفقه ) .
والله أعلم .