الجواب:
الحمد لله
قراءة القرآن في الفريضة على ترتيب المصحف من سورة " البقرة " إلى " الناس " : جائز
، إلا أن الأفضل أن لا يفعل ذلك ، لأن هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا
عن أحد من الصحابة ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه .
فالأفضل بلا شك موافقة السنة ، فيقرأ سورة كاملة في كل ركعة ، أو يقسم السورة على
الركعتين ، وإذا قرأ أحياناً من أول السورة ، أو وسطها ، أو آخرها فهو جائز .
وقد
سئل الإمام أحمد عما ورد في السؤال فقال : "لا أعلم أحداً فعل هذا" .
وقال مرة أخرى : "ليس في هذا شيء ، إلا أنه يروى عن عثمان أنه فعل ذلك في "
المفصَّل " وحده" . والمفصل من سورة ق إلى آخر سورة الناس .
وقد
روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : (كانوا يقرؤون في الفريضة من أول القرآن إلى
آخره) ، ولكن قال الإمام أحمد عن هذا الحديث : إنه منكر .
انظر : " بدائع الفوائد " ( 3 / 605 ) .
وقول الإمام أحمد رحمه الله : " ليس في هذا شيء " أي : لم ينقل فعل ذلك في شيء من
الأحاديث أو الآثار ، وقد صَرَّح بهذا في قوله : " لا أعلم أحداً فعل هذا " .
وقد
فهم بعض الحنابلة من كلام الإمام أحمد عدم الكراهة ، فنصوا عليها في كتبهم ، ومنهم
صاحب " كشاف القناع " الشيخ منصور البهوتي رحمه الله ، حيث قال :
"ولا تكره قراءة القرآن كله في الفرائض على ترتيبه . قال حرب : قلت لأحمد : الرجل
يقرأ على التأليف في الصلاة : اليوم سورة وغدا التي تليها : قال : ليس في هذا شيء ،
إلا أنه روى عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصَّل وحده" انتهى .
"
كشاف القناع " ( 1 / 375 ) .
ومعلوم أن نفي الكراهة لا يعني أن هذا الفعل هو الأفضل ، وإنما هو جائز من غير
كراهة ، إلا أن موافقة السنة أفضل بلا شك ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(خير الهدي هدي محمد) . رواه مسلم (867) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
"أفيدك بالنسبة لسؤالك عن قراءة القرآن متتابعاً في صلوات المغرب ، والعشاء ،
والفجر حتى تختمه : أن الأولى ترك ذلك ؛ لأنه لم يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم
، ولا عن خلفائه الراشدين رضي الله عنهم ، وكل الخير في اتباع سيرته عليه الصلاة
والسلام ، وسيرة خلفائه رضي الله عنهم ، وإذا تيسر لك أن تختم القرآن في التهجد :
فذلك خير لك في الدنيا ، والآخرة " انتهى .
"
فتاوى الشيخ ابن باز " ( 12 / 146 ) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
كثيرٌ من أئمة المساجد يقرؤون قراءة متسلسلة من البقرة ، وحتى سورة الناس في غير
رمضان ، وقيل : إن هذا بدعة ، ويحتج بعضهم بالمراجعة ، وضبط الحفظ ، وإسماع الجماعة
آيات مباركات من القرآن الكريم قلَّ أن يسمعوها ، فما رأي فضيلتكم في هذا ؟ .
فأجاب:
"ذَكر العلماء رحمهم الله أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ في صلاة الفجر من طوال
المفصَّل ، وفي صلاة المغرب من قصاره ، وفي الباقي من أوساطه ، والمفصَّل : أوله
سورة " ق " ، وآخره آخر القرآن ، وطِواله : من " ق " إلى " عمَّ " ، وقصاره : من "
الضحى " إلى آخر القرآن ، وأوساطه : من " عمَّ " إلى " الضحى " ، هكذا قال أهل
العلم ، والذي ينبغي للإنسان أن يفعل هكذا ؛ لأن من الحكمة في ذلك أن هذا المفصَّل
إذا ورد على أسماع الناس حفظوه ، وسهل عليهم حفظه ، ولم أعلم أن أحداً من أهل العلم
قال إنه ينبغي أن يقرأ من أول القرآن إلى آخره متسلسلاً ليُسمع الناس جميع القرآن ،
ولا يمكن أيضاً أن يُسمع الناسَ جميعَ القرآن ؛ لأنه سيبقى مدة إلى أن ينتهي إلى
آخر القرآن ، وسيتغير الناس ، يذهبون ، ويجيئون ، ولا يسمعون كل القرآن ، وإذا لم
يكن هذا من السنَّة ، والعلماء ذكروا أن السنَّة القراءة في المفصل : فالأولى
للإنسان أن يتَّبع ما كان عليه العلماء .
والفائدة التي أشرنا إليها من أن العامَّة إذا تكررت عليهم سور المفصل حفظوها : لا
تُدرك بما إذا قرأ الإنسان من أول القرآن إلى آخره ، فالأولى : العدول عن هذا ، وأن
يقرأ كما يقرأ الناس" انتهى .
"
فتاوى نور على الدرب " (
شريط 360 ، وجه أ ) .
والله أعلم