الحمد لله
لا يجب على المسلم أن يتبع أحداً بحيث يأخذ كل ما يقول ويعمل به
إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكل من عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه
يؤخذ من قوله ويترك ، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى : كل يؤخذ من قوله ويرد
إلا صاحب هذا القبر . وأشار إلى قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وأما الانضمام لمجموعة ما ، فلا شك أن الله تعالى ورسوله صلى
الله عليه وسلم قد أمرا بالجماعة وحثا عليها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( يَدُ
اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) رواه الترمذي (2167) وصححه الألباني
. وقال : ( َعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ
الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ) رواه النسائي (847) وحسنه الألباني في صحيح
النسائي . وقال : ( الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد )
رواه الترمذي (2165) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .
والأحاديث في هذا كثيرة .
ولا شك أن تعاون المسلم مع مجموعة من إخوانه على طاعة الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله ،
وطلب العلم ، والتواصي فيما بينهم بالحق والصبر . . . إلخ لا شك أن هذا عمل مشروع ،
وبذلك يعصم الإنسان نفسه من الشيطان كما دل على ذلك الأحاديث المتقدمة ، وهو مما
يدخل في قول الله تعالى : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) سورة العصر .
أما إن كان قصد السائل بالانضمام لجماعة ما أن يتعصب لها ، فيرى
أن هذه الجماعة هي الجماعة الوحيدة التي على الحق ، وكل من عداها على الباطل ،
ويوالي من معه في هذه الجماعة ، ويعادي من سواهم ( كما هو واقع كثير من أفراد هذه
الجماعات اليوم ) فإن هذا من الجَوْر الذي يأباه الله ورسوله والمؤمنون ، ولا يزيد
الأمة إلا تفرقاً وضعفا ، بل المؤمن يوالي جميع المؤمنين ، كما قال الله تعالى : (
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) المائدة/55 . وقال
تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) الحجرات/10 . وقال صلى الله
عليه وسلم : ( المسلم أخو المسلم ) . وكلٌّ من هذه الجماعات ( المتفقة على أصول أهل
السنة والجماعة ) على ثغر من ثغور الإسلام ، فليس الحق حكراً على أحد دون أحد ،
والدعوة إلى الله تحتاج إلى جهود هؤلاء جميعاً وأضعافهم معهم .
فالمؤمن يوالي جميع المؤمنين ويتعاون معهم على طاعة الله تعالى ،
ولو كانوا بعيدين عنه . ويكف عن معاونتهم على معصية الله ، ولو كانوا أقرب الناس
إليه .
وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن حكم الانتماء للجماعات
الإسلامية ، والالتزام بمنهج جماعة معينة دون سواها ؟
فأجاب :
" الواجب على كل إنسان أن يلتزم بالحق ، قال الله عز وجل ، وقال
رسوله صلى الله عليه وسلم ، وألا يلتزم بمنهج أي جماعة لا إخوان مسلمين ولا أنصار
سنة ولا غيرهم ، ولكن يلتزم بالحق ، وإذا انتسب إلى أنصار السنة وساعدهم في الحق ،
أو إلى الإخوان المسلمين ووافقهم على الحق من دون غلو ولا تفريط فلا بأس ، أما أن
يلزم قولهم ولا يحيد عنه فهذا لا يجوز ، وعليه أن يدور مع الحق حيث دار ، إن كان
الحق مع الإخوان المسلمين أخذ به ، وإن كان مع أنصار السنة أخذ به ، وإن كان مع
غيرهم أخذ به ، يدور مع الحق، يعين الجماعات الأخرى في الحق ، ولكن لا يلتزم بمذهب
معين لا يحيد عنه ولو كان باطلاً ولو كان غلطاً ، فهذا منكر ، وهذا لا يجوز ، ولكن
مع الجماعة في كل حق ، وليس معهم فيما أخطأوا فيه " اهـ . "مجموع فتاوى
ومقالات متنوعة" لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله
(8/237).