الجواب :
الحمد لله
لا يصح الاستدلال بكشف المرأة وجهها في الصلاة على أن الوجه ليس عورة ، وبيان ذلك :
أنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية أن المصلي مأمور بستر عورته ،
ويكشف ما سواها ، فلا يصح أن يقال : ما أُمر المصلي بستره فهو عورة ، وما أبيح له
كشفه فليس عورة .
بل الأمر الوارد في القرآن الكريم في ذلك ، ورد بالتزين والتجمل للصلاة ، فقال
تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )
الأعراف/30 .
وأخذ الزينة يختلف عن ستر العورة ، ولذلك : قد يؤمر المصلي بستر ما ليس عورة ، فقد
نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يصلي وليس على عاتقيه شيء من الثياب ، مع أن
عاتق الرجل ـ وهو الكتف ـ ليس عورة باتفاق العلماء .
ورأس المرأة وشعرها ليس عورة عند زوجها ومحارمها كالأب والأخ ، ومع ذلك ، فلا يجوز
لها أن تصلي أمام زوجها أو محارمها وهي مكشوفة الرأس ، بل ليس لها أن تصلي مكشوفة
الرأس ولو كانت بمفردها لا يراها أحد .
فعُلم من هذا : أن الاستدلال بصلاة المرأة مكشوفة الوجه على أن الوجه ليس عورة ،
غير صحيح ؛ لأن للصلاة أحكاماً خاصة ، تختلف عن أحكام ستر العورة خارج الصلاة .
وقد بَيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال :
" المرأة لو صلَّت وحدها : كانت مأمورة بالاختمار ، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف
رأسها في بيتها ، فأخذ الزينة في الصلاة لحقِّ الله ، فليس لأحدٍ أن يطوف بالبيت
عرياناً ولو كان وحده بالليل ، ولا يصلي عرياناً ولو كان وحده ، فعُلم أن أخذ
الزينة في الصلاة : لم يكن ليحتجب عن الناس ، فهذا نوع ، وهذا نوع ، وحينئذ فقد
يستر المصلِّي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة ، وقد يبدي في الصلاة ما
يستره عن الرجال ، فالأول : مثل المنكبين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى أن
يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ) فهذا لحقِّ الصلاة ، ويجوز له
كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة ، كذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة ، كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) ، وهي لا تختمر
عند زوجها ، ولا عند ذوي محارمها ، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء ، ولا
يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها لهؤلاء ، ولا لغيرهم .
وعكس ذلك : الوجه واليدان والقدمان ، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين
، وأما ستر ذلك في الصلاة : فلا يجب باتفاق المسلمين ، بل يجوز لها إبداؤهما [الوجه
والكفان] في الصلاة عند جمهور العلماء ، كأبي حنيفة ، والشافعي ، وغيرهما ، وهو
إحدى الروايتين عن أحمد ، وكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة ....
وبالجملة : قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي
يسترها إذا كانت في بيتها ، وإنما ذلك إذا خرجت ، وحينئذٍ فتصلي في بيتها ، وإن رئي
وجهها ، ويداها ، وقدماها ، كما كن يمشين أولاً قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن ،
فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر .
وقول الفقهاء في الصلاة : " باب ستر العورة " ليس هذا من ألفاظ الرسول صلى الله
عليه وسلم ، ولا في الكتاب والسنَّة أن ما يستره المصلي فهو عورة ، بل قال تعالى :
( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، ( ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف بالبيت
عرياناً ) فالصلاة أولى ، وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد ،
فقال : ( أو لكلكم ثوبان ؟ ) .
وقال في الثوب الواحد : ( إن كان واسعاً فالتحف به ، وإن كان ضيقاً فاتزر به ) ، (
ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء ) ، فهذا دليل على أنه يؤمر
في الصلاة بستر العورة : الفخذ ، وغيره ، وإن جوَّزنا للرجل النظر إلى ذلك ، فإذا
قلنا على أحد القولين - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - : إن العورة السوأتان ، وإن
الفخذ ليست بعورة : فهذا في جواز نظر الرجل إليها ، ليس هو في الصلاة ، والطواف ،
فلا يجوز أن يصلي الرجلُ مكشوفَ الفخذين ، سواء قيل هما عورة ، أو لا ، ولا يطوف
عرياناً ، بل عليه أن يصلي في ثوبٍ واحدٍ ولا بد من ذلك ، إن كان ضيقاً : اتزر به ،
وإن كان واسعاً : التحف به ؛ كما أنه لو صلَّى وحده في بيت : كان عليه تغطية ذلك ،
باتفاق العلماء ، وأما صلاة الرجل بادي الفخذين مع القدرة على الإزار : فهذا لا
يجوز ، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف ، ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة - كما
فعله طائفة - : فقد غلطوا ، ولم يقل أحمد ، ولا غيره : إن المصلي يصلي على هذه
الحال ، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين ، فكيف يبيح له كشف الفخذ ؟!
وقد اختلف في وجوب ستر العورة إذا كان الرجل خالياً ، ولم يُختلف في أنه في الصلاة
لا بد من اللباس ، لا تجوز الصلاة عرياناً مع قدرته على اللباس ، باتفاق العلماء "
انتهى باختصار .
"مجموع الفتاوى" ( 22 / 113 - 117) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
"العورة عورتان : عورة النظر ، وعورة في الصلاة ، فالحرَّة لها أن تصلِّي مكشوفة
الوجه ، والكفين ، وليس لها أن تخرج في الأسواق ، ومجامع الناس كذلك " انتهى
.
" إعلام الموقعين " ( 2 / 80 ) .
والله أعلم .