الحمد لله
قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل
لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . وعن أبي هريرة رضي
الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على
الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه " متفق عليه .
والصواب أن المراد بالفطرة ملّة الإسلام كما في
الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله
تعالى : خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللتُ
لهم ، وأمرتْهم أن يُشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا " . ومعنى أن المولود
يولد على ملة الإسلام أنه يولد مستعدا في تكوينه إذا تفتح عقله وعرض عليه الإسلام
وضدّه أن يُؤْثِرَ الإسلام على ضدّه ، ويختار الإسلام ديناً ، مالم يمنعه من
ذلك مانع كالهوى أو التعصب ، فاتباع الهوى يحمل على إيثار الباطل لنيل حظ من
الحظوظ من رئاسة أو مال والتعصب يحمل على اتباع الآباء والكبراء ولو كانوا
على غير هدى ، قال تعالى : ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم
مقتدون ) ، وقال تعالى عن الأتباع من أهل النار : ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا
وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) . وإذا كان كل مولود يولد على الفطرة فمعلوم أن منهم
من يتهيأ له ما يوافق فطرته ويثبتها كمن يولد بين أبوين مسلمين ، وينشأ في مجتمع
مسلم ، ومنهم من يتعرض لتغيير فطرته كمن يولد بين أبوين كافرين وينشأ بين الكفار
من يهود أو نصارى ومجوس أو مشركين . ولا ريب أن الذي ولد في الإسلام قد حصل له
من أسباب الهداية والسعادة ما لم يحصل لغيره ممن ولدوا ونشأوا في مجتمعات كافره
، والتوفيق للإيمان وتيسير أسباب الهداية فضل الله يؤتيه من يشاء . ثم يجب أن
يُعلم أن من غيّرت فطرته عن الإسلام لا يعاقب بذنب غيره ، وإنما يعاقب إذا بلغته
دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام فأعرض عنها ، ولم يقبلها إباءا واستكبارا وتعصبا
لدين آبائه وأهل بلده ، لأنه قد قامت عليه الحجة بدعوة الرسول ، ومن قامت عليه
الحجة الرسالية وأصرّ على كفره استحق العذاب ، قال تعالى : ( وما كنّا معذبين
حتى نبعث رسولا ) .
وقولك في السؤال ( إنه لشيء يخيفني ....... ) قول
صحيح ومعقول فمن نعمة الله عليك أنْ ولِدْتَ في الإسلام ، ولو ولدت في دين آخر
لكان يُخشى عليك من البقاء على الدين الباطل ، ولكن الله إذا أراد بالعبد خيرا
يسّر له من أسباب الهداية ما ينقله عن ملّة الكفر إلى ملّة الإسلام فالأمر كلّه
لله .
وقولك في السؤال ( لماذا لا تكون القاعدة .....
) هو سؤال باطل سببه الجهل بحكمة الله تعالى وسنته في خلقه ، ومعلوم أنه يستحيل
أن تكون الفرص للجميع واحدة مع تعدد وكثرة الديانات البشرية ، ثم إن الهداية
إلى الإسلام تحصل بمشيئة الإنسان واختياره لأن الله تعالى أعطى الإنسان القدرة
على الفرق بين الحقّ والباطل ، والنافع والضار بما ركّب فيهم من العقل ، وبما
بعث به رسله من البينات ، ومع ذلك فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله فإنه الذي
يُضلّ من يشاء بعدله وحكمته ، ويهدي من يشاء بفضله وحكمته .
قال تعالى : ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء
منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) .
الشيخ عبد الرحمن البراك .