شرعية التخلق بما يحب الله التخلق به من معاني أسمائه وصفاته
سمعت بعض الخطباء في خطبة الجمعة يحث على الاتصاف بصفات الله ، والتخلق بأخلاقه هل لهذا الكلام محمل صحيح ، وهل سبق أن قال ذلك أحد من أهل العلم ؟ .
الحمد لله
فهذا التعبير الذي أشرت إليه غير لائق ، ولكن له
محمل صحيح ، وهو الحث على التخلق بمقتضى بعض صفات الله وأسمائه وموجبها ، وذلك
بالنظر إلى الصفات التي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها ، بخلاف الصفات المختصة
بالله كالخلاق والرزاق والإله ونحو ذلك، فإن هذا شيء لا يمكن أن يتصف به المخلوق ،
ولا يجوز أن يدعيه ، وهكذا ما أشبه هذه الأسماء ، وإنما المقصود الصفات التي يحب
الله من عباده أن يتصفوا بمقتضاها ، كالعلم والقوة في الحق ، والرحمة والحلم والكرم
والجود والعفو وأشباه ذلك ، فهو سبحانه عليم يحب العلماء ، قوي يحب المؤمن القوي ،
أكثر من حبه للمؤمن الضعيف ، كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء عفو يحب العفو ،
إلخ ، لكن الذي لله سبحانه من هذه الصفات وغيرها أكمل وأعظم من الذي للمخلوق ، بل
لا مقارنة بينهما ؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء في صفاته وأفعاله ، كما أنه لا مثيل
له في ذاته ، وإنما حسب المخلوق أن يكون له نصيب من معاني هذه الصفات ، بحسب ما
يليق به ويناسبه على الحد الشرعي ، فلو تجاوز في الكرم الحد صار مسرفا ، ولو تجاوز
في الرحمة الحد عطل الحدود والتعزيرات الشرعية ، وهكذا لو زاد في العفو على الحد
الشرعي وضعه في غير موضعه ، وهذه الأمثلة تدل على سواها، وقد نص العلامة ابن القيم
رحمه الله على هذا المعنى في كتابيه: (عدة الصابرين) و(الوابل الصيب) ، وإليك نص
كلامه في العدة والوابل ، قال في العدة صفحة 310 :" ولما كان سبحانه هو الشكور على
الحقيقة، كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها ،
أو اتصف بضدها ، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم
إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض الكافر والظالم والجاهل، والقاسي القلب والبخيل
والجبان ، والمهين واللئيم ، وهو سبحانه جميل يحب الجمال ، عليم يحب العلماء، رحيم
يحب الراحمين ، محسن يحب المحسنين ، سِتِّير يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز،
والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف ، فهو عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر،
وكلما يحبه فهو من آثار أسمائه وصفاته وموجبها ، وكلما يبغضه فهو مما يضادها
وينافيها ". وقال في (الوابل الصيب) صفحة 43 من مجموعة الحديث: " والجود من صفات
الرب جل جلاله، فإنه يعطي ولا يأخذ ، ويطعم ولا يطعم ، وهو أجود الأجودين، وأكرم
الأكرمين، وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته، فإنه كريم يحب الكرماء من عباده
، وعالم يحب العلماء وقادر يحب الشجعان ، وجميل يحب الجمال" انتهى. وأرجو أن يكون
فيما ذكرناه كفاية وحصول للفائدة، وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه
والقيام بحقه إنه سميع قريب ، والحمد لله رب العالمين .
انظر : مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله ( 1 / 133 ).