هل يجوز له أن يتمنى أن لا يزوجه الله في الجنة بالحور العين وأن يدعو بذلك ؟
السؤال:
أعلم أن المسلم سيرزق في الجنة بالحور العين إن شاء الله تعالى ، ولكني لا أريد حوريات في الجنة !! أريد أن أكون وحدي أنا وزوجتي ، أنا لم أتزوج بعد ولكن أريد هذه الأمنية من الله عز وجل أن أظل أنا وزوجتي بمفردنا في الجنة .
قد تظنون سؤالي سخيفاً ولكنه طلبي بصدق وصراحة أدعو به الله عز وجل في الجنة أرجو أن يتقبله الله عز وجل مني ، فهل هذا ممكن ؟ .
أفيدوني أفادكم الله وجزاكم الله خيراً .
الجواب :
الحمد لله
أولاً:
الذي يظهر أن فيما تقوله اعتداء في الدعاء يقتضي المنع منه ؛ وأسباب المنع منه
كثيرة ، منها :
1. أن فيه ردّاً لفضل الله تعالى وكرمه على عبيده الذي أكرمهم الله بالجنة ، ودل به
على حالهم وما يكونون فيه ؛ وحقيقة دعائك هو رد هذه النعمة التي أنعم الله تعالى
بها من أكرمه بالجنة ، ورغَّبهم فيها كثيراً ، كمل قوله تعالى ( إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . يَلْبَسُونَ مِن
سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ . كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ
) الدخان/ 51 - 54 ، وقوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ . مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ
عِينٍ ) الطور/ 19 ، 20 ، وقوله ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً )
النساء/ 57 ، ، قال تعالى : ( وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ
الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الواقعة/ 22 – 24 . وانظر جواب
السؤال رقم ( 25843 ) .
2. أن دعاءك بعدم التزويج بالحور بالعين يدل على عدم علمك بحقيقة النعمة التي أنعم
الله بها على من كتب له الجنة ، فصفات الحور العين مما أخبرنا الله تعالى بها يجعل
المسلم في شوق لأن يحوز هذه النعمة وذلك الفضل ، ومن حصر تلك النعمة بمجرد الجماع
فقد أخطأ في فهمه لحقيقة تلك النعمة ، ولم يقدرها حق قدرها ، فقد جاء – مثلاً – أن
الحور العين يغنين لأزواجهن في الجنة ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال ( إِنَّ أَزْوَاجَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُغَنِّينَ
أَزْوَاجَهُنَّ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ سَمِعَهَا أَحَدٌ قَطُّ ، إِنَّ مِمَّا
يُغَنِّينَ : نَحْنُ الْخَيِّرَاتُ الْحِسَانُ أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامٍ ) رواه
الطبراني في " المعجم الأوسط " ( 5 / 149 ) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (
3 / 269 ) ، ومن ذلك : حسن تبعلها وحسن منطقها مع زوجها بما يدخل غاية السرور إلى
قلبه ، وهو معنى " العُرب " .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - : " ( عُرُبًا أَتْرَابًا ) ملازم لهن
في كل حال ، والعروب : هي المرأة المتحببة إلى بعلها بحسن لفظها ، وحسن هيئتها
ودلالها وجمالها ومحبتها ، فهي التي إن تكلمت سبت العقول وود السامع أن كلامها لا
ينقضي ، خصوصاً عند غنائهن بتلك الأصوات الرخيمة والنغمات المطربة ، وإن نظر إلى
أدبها وسمتها ودَلِّها : ملأت قلب بعلها فرحاً وسروراً ، وإن برزت من محل إلى آخر :
امتلأ ذلك الموضع منها ريحاً طيباً ونوراً ، ويدخل في ذلك الغنجة عند الجماع .
والأتراب اللاتي على سن واحدة ، ثلاث وثلاثين سنة ، التي هي غاية ما يتمنى ونهاية
سن الشباب ، فنساؤهم عرب أتراب ، متفقات مؤتلفات ، راضيات مرضيات ، لا يَحزن ولا
يُحزن ، بل هن أفراح النفوس ، وقرة العيون ، وجلاء الأبصار " . انتهى من " تفسير
السعدي " ( ص 833 ) .
3. ويبدو أن من أسباب رغبتك بذلك الدعاء تأثرك بقصص الحب الرومانسية ، والتي تبالغ
في إبراز محبة كل طرف للآخر ، ولا بأس بمحبة الزوجين لبعضهما ، بل هو أمر مطلوب
ممدوح ، لكن المبالغة في ذلك ، حتى ينفر من فكرة الزواج الآخر في الدنيا ، مع شرع
الله له ، وتعلق كثير من مصالح الدنيا به ، فهذا هو المنكر ، ثم ها نحن نرى
المبالغة في ذلك قد وصلت إلى الآخرة ، فلا يحب أن يكون لزوجته شريك في الجنة .
فاعلم ـ يا عبد الله ـ أخيرا : أن الجنة أمرها مختلف ، وحالها مختلف عن حال الدنيا
، وليس فيها مما في الدنيا إلا الأسماء ، فاجتهد في سلوك الطريق الموصلة إليها ،
وادع الله أن يجعلك من أهلها ، ثم دعك من القياس بحال الدنيا ، ولا تتحجر واسعا من
رحمة الله ، وهناك ـ إن شاء الله إن كنت من أهلها ـ سوف تدري أن الأمر مختلف !!